Category Archives: الدولة المدنية

هزيمة الدولة المدنية

شوقى عبد القادر

غياب الحساب للمسئولين المدنيين هو السبب

التدخل العسكرى فى الشئون الداخلية للدولة قد يكون مقبولا حين يصبح هو الحل الوحيد، فى بعض الحالات الاستثنائية، مثل الكوارث الطبيعية كالزلازل والسيول والحرائق الكبرى وغيرها، وهذا شائع الحدوث فى معظم الدول، لكن أن يصل الأمر إلى حد الاستعانة بالعسكر لحل أزمة الخبز وغيرها فهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل هذا إعلان لفشل الدولة المدنية فى أهم مسئولياتها تمهيدا لارتدائها الزى العسكرى من جديد؟
الحديث عن مدنية الدولة وكونها دولة مؤسسات لاجدوى له مادامت هذه الدولة فشلت فى حل كل الأزمات التى واجهتها، هذا ما يؤكده الدكتور نادر فرجانى المفكر الاقتصادى مشيرا إلى أن مصر دولة عسكرية بالأساس، ولكنها ترتدى الزى المدنى، بدليل أن رئيس الجمهورية نفسه رجل عسكرى، ويتساءل فرجانى عن مبررات بقاء أى وزير يعجز عن حل مشكلة من مهام وزارته، لدرجة تدخل العسكريين لحلها، مشيرا إلى أنه لا تحدث إقالة لأى مسؤل فى مصر إلا لسبب أمنى، لأن «العسكرة» عامل أساسى فى فكر النظام.
أزمة الخبز ليست الوحيدة التى تدخل العسكر لحلها، فالقائمة طويلة كما يرصدها فرجانى، مشيرا إلى أن أطرف ما فيها تدخلهم لحل مشكلة السحابة السوداء، حيث تم تشكيل العديد من اللجان والاجتماعات لحلها، وانها لم تشهد انفراجة إلا بعد أن أنشأ العسكر مصنعين لتدوير قش الأرز بمحافظة الدقهلية.
الجديد الذى يوضحه فرجانى ان المواطنين أنفسهم أصبحت لديهم قناعة بأن أى أزمة لا يستطيع حلها سوى العسكر، متسائلا: «ما الذى يدفع المواطنين إلى الالتفاف حول اللواء إسماعيل الشاعر مدير أمن القاهرة أثناء متابعته لسيارات الأمن المركزى، وهى توزع الخبز، وما الذى يجعلهم يتوجهون بشكاواهم من تراكم «القمامة»، وانقطاع «المياه»، وغيرها من المشاكل إلى الشرطة؟ رغم أننا فى أشد الحاجة إلى خبراء فى التنمية، وليس إلى عسكر يحلون المشكلات بطرق استثنائية.
المسئولون فى مصر يعرفون أنهم لا يحاسبون على الفشل أو القصور فى تأدية مهامهم، ولهذا لا يهتمون بها من الأصل هذا ما يؤكده الدكتور قدرى سعيد الخبير العسكرى بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، موضحا ان هذا لا يرجع إلى أنهم منزهون، ولكن لأنهم جزء من منظومة تعمل فى إطار التوجيهات والتكليفات، فهم مندوبون وليسوا مسئولين، وعندما يفشل المندوبون فى حل أزمة أو مشكلة فمن الطبيعى أن يتم الاستعانة بغيرهم من العسكر.
والشخصية العسكرية عندما يتم الاستعانة بها لحل ازمة أو مشكلة، كما يرى سعيد، تتعامل معها على أنها «مهمة رسمية» تم التكليف بها من القائد الأعلى، وهذه المهمة تكون محددة بوقت للتنفيذ، كما أن الفشل فى تأديتها معناه أن الشخص الذى تم اختياره لأدائها غير كفء، وهذه الطريقة هى سر نجاح المشروعات التى أشرف العسكر عليها، ومعظمها فى مجالات تنموية فى الزراعة واستصلاح الأراضى أو مشاريع الأمن الغذائى، أو إنشاء طرق مثل طريق القطامية العين السخنة، أو بناء مستشفيات وإتاحتها للمدنيين والعسكريين، وهو ما فشلت فيه باقى الوزارات المسئولة عن هذه المشروعات. كما أن مشاركة المؤسسات العسكرية لها بعد استراتيجى، فهى تنفذ معظم مشاريعها التنموية فى مناطق حدودية، لسببين الاول: حماية الدولة، والثانى: تسهيل عمليات التنمية فى هذه المناطق.
هناك طريقة غير مباشرة لتدخل العسكر فى الحياة المدنية، يوضحها سعيد، وتتمثل فى الأوامر العسكرية التى استعان بها بعض رؤساء الوزراء مثل الدكتور كمال الجنزورى، حيث استعان بـ «الأمر العسكرى» رقم 1 لعام 1996 بحظر تبوير وتجريف الأراضى الزراعية أو إقامة مبان أو منشآت عليها، فهذه استعانة غير مباشرة بالعسكر على الرغم من وجود العديد من القوانين المدنية الموضوعة لهذا الشأن.
الأصوات التى طالبت مؤخرا بالاستعانة بالمؤسسة العسكرية لتولى إدارة عمليات التنمية فى العديد من المناطق فى مصر لا تعبر من وجهة نظر سعيد الا عن وجود أزمة ثقة فى المسئولين لدى المواطنين، لأن دور العسكر بالأساس هو حماية المؤسسات الدستورية، وليس القيام بدورها لحل المشاكل والأزمات، لأن العسكر يهتمون بمعالجة العرض وليس المرض.
«منطق العجز» هكذا يرى سمير فياض نائب رئيس حزب التجمع الاستعانة بالعسكر لحل المشاكل المدنية وهو ما يعد إعلانا صريحا بفشل الإدارة المدنية فى إدارة الأزمات.
فياض يرى أن هذا الفشل يعود إلى عجز الجهات التى تضع السياسات و عدم قدرتها على اختيار من ينفذ هذه السياسات والواقع يؤكد هذا قائلا: «عندما تنفى الدولة أن هناك أزمات على طول الخط وتأتى أزمة الخبز لتسقط عنها ورقة التوت الأمر الذى يجعلنا نستعيد تاريخ سقطات الإدارة المدنية التى لم يجد النظام أمامها حلا سوى الاستعانة بالعسكر».
احتماء النظام بالحلول العسكرية خاصة فيما يتعلق بقضايا مدنية يعتبرها فياض وسيلة لتجميل صورة العسكر وكأنهم هم الذين يطعمون المواطن بدلا من تلك الصورة التى ارتبطت فى أذهان العامة والتى جعلت من العسكر وسيلة لقمع وتقييد حريات المواطنين.

المصدر

اليوم السابع