Category Archives: الدستور المصرى

أسباب حبس 77 مليون مواطن مصرى

أسباب حبس 77 مليون مواطن مصرى

الأثنين، 29 سبتمبر 2008 – 10:35


طبيعى أن يندهش قطاع من الرأى العام عندما يرتفع شعار “لا لحبس الصحفيين”، وطبيعى أن يرد قطاع من النخبة الحاكمة، بل وكثير من المواطنين العاديين “اشمعنى الصحفيين، همه على راسهم ريشة” .. وهم محقون فعلا، لو كان الأمر يقتصر على الصحفيين وحدهم، ولكنه ليس كذلك، ولكنه يتعلق بأى مواطن ينشر رأيه على الناس بأية وسيلة، سواء كانت جريدة مطبوعة أو إلكترونية أو إذاعة مسموعة أو مرئية .. أو حتى بالكلام فى الشارع.
صحيح أن الصحفيين هم الأكثر تعرضاً للسجن بسبب طبيعة عملهم، وليس لأنهم أفضل من أى مواطن آخر، ومع ذلك فالحبس فى قضايا النشر لا يخص العاملين فى بلاط صاحبة الجلالة ولكنه يخص عموم المصريين، أى 77 مليون مواطن، من حقهم طبقا للدستور المصرى، وطبقا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، أن يعبروا عن رأيهم دون أن خوف من السجن.
لكن لماذا قدس الدستور المصرى والمواثيق الدولية، حرية الرأى والتعبير .. هل هى لزيادة مساحة الفوضى و”لكى يشتم كل واحد زى ما هو عاوز”؟
بالطبع لا .. ولكن الفلسفة وراء ذلك هى رفع سقف الحريات إلى حده الأقصى، فبدونه تفقد الإنسانية إنسانيتها .. ويتعطل تطور المجتمعات، لأنها لن تستطيع أن تدير حواراً حراً حول قضايا ومشاكلها .. وبالتالى من المستحيل أن تتقدم.

ومن هنا فلا حريات فردية أو عامة ولا مجتمعات ديمقراطية دون صيانة وحماية حرية الرأى والتعبير. ليس هذا فقط، ولكن أيضا حرية التنظيم، أى حرية تكوين الأحزاب وإصدار الصحف وتأسيس الجمعيات .. بدون هذا كله، فكل ما يقال عن الديمقراطية والحريات كلام فارغ وكذب سياسى.
لهذا من الطبيعى الرفض القاطع والحاسم لسجن إبراهيم عيسى، ولو لمدة ساعة واحدة، هو أو غيره من الصحفيين والكتاب وكل المصريين الذين يريدون التعبير عن رأيهم. والأمر هنا لا يتعلق بالاختلاف أو الاتفاق مع عيسى، ولا يتعلق بالمعارضة فى مواجهة السلطة الحاكمة فقط، ولكنه يتعلق حتى بالمؤيدين فى مواجهة المعارضين. أقصد أن السجن فى قضايا الرأى هو سيف مسلط على الجميع بغض النظر عن توجهه السياسى، ويستطيع أى مواطن أن يستخدم هذا السيف لذبح معارضيه. على سبيل المثال هناك قضية مرفوعة ضد الزميل محمد على إبراهيم من قبل زكريا عبد العزيز رئيس نادى القضاة .. وهناك قضية مرفوعة ضد الزميل عبد الله كمال من قبل الزميل عبد الحليم قنديل. أى أنه سلاح يمكن أن يستخدمه من يشاء ضد من يشاء .. ومن هنا فالخطوة على الجميع، وإن اختلفت الدرجة بالطبع، أقصد أن الأكثر تعرضاً للسجن هم المعارضون.

هل هذا يعنى أن حرية الرأى والتعبير مطلقة، أى من الصحفى أو المواطن العادى أن يقول ويفعل ما يشاء حتى لو كان فيه مساس بالآخرين؟
بالطبع لا، ففى البلاد الديمقراطية المحترمة تقف حريتك عند حد عدم الاعتداء على حريات الآخرين، سواء كان رئيس الجمهورية أو أى مواطن. لكن الفرق أن هذه البلاد ألغت تماما عقوبة الحبس واستبدلتها بالغرامة، وهى غرامات مالية كبيرة .. حتى يفكر الصحفى أو المواطن ألف مرة قبل أن يتجرأ على غيره، مخالفاً للقانون، وليس فقط المسئول الفلانى أو العلانى، وفى أحيان كثيرة تؤدى هذه الغرامات إلى إفلاس مؤسسات صحفية كبيرة .. ولكن فى كل الأحوال فهى قوة ردع مقبولة لضبط معايير العلاقة بين الحريات الفردية والعامة.
المشكلة الكبرى لدينا فى مصر ليس فقط فى القوانين المعيبة التى تؤدى إلى الحبس ولكن أيضاً بالتُهم المطاطية التى يمكن أن يتم سجن أى إنسان بها. والحقيقة أن السلطة الحاكمة لو طبقت هذه القوانين ما كتب صحفى معارض بل وبعض المؤيدين حرفا … وهذا ما يريده قطاع من النخبة الحاكمة، فهم يريدون قطع رقاب مخالفيهم بما فيهم إبراهيم عيسى.