المصريون
جرائم رجال الرئيس وابنه كتب د. عمار علي حسن في المصري اليوم تحت عنوان جرائم رجال أموال النظام: حين يتهافت من بيدهم الأمر علي المال، ويتطلع من يملكون المال إلي الكراسي العالية العريضة، تذوب الحدود بين السلطة والثروة، فتنخرطان في لعبة تبادل المنافع والمواقع، ويتحول كبار رجال الجهاز البيروقراطي إلي سماسرة، وكبار أصحاب الأعمال إلي رجال بلاط. وهنا يشعر أصحاب المال أن الدولة ملك يمينهم، ويحس أصحاب القرار أنهم تجار، ويضيع الناس بين أقدام هؤلاء، فتتحول أغلبيتهم إلي أقنان وأجراء ومتسولين، ويرضي بعضهم أن يصيروا جزءا من اللعبة، تقتصر أدوارهم علي أداء الأعمال القذرة، وتسهيل الخدمات المحّرمة والمجّرمة بعد أن يكونوا قد ابتلعوا ألسنتهم، ربما إلي الأبد. وهذا التحالف غير المقدس بين السلطة والثروة يقيم علي أكتافه كل شيء ويدبر كل أمر، فالقانون يسن لخدمة المتحالفين، وموظفو المكاتب التعساء يعملون ليل نهار دون أن يدروا أنهم يحققون مصالح هؤلاء، وعساكر الأمن المركزي الغلاظ الشداد لا يدركون أنهم مجرد حراس مجانيين لهم، والإعلاميون والمثقفون الذين يرتعون في حظيرة السلطة يتحولون إلي مجرد أبواق رخيصة لتزييف وعي الناس، بغية تأخير فورة الناقدين والناقمين علي هذا التحالف، والراغبين في تخليص البلاد من الفساد والاستبداد. لكن هذا التحالف له قواعد وقوانين ذاتية، من يخرج عليها أو يظن أن بوسعه تجاوزها أو يتوهم أنه فوقها، فهو لا محالة هالك. وأولي هذه القواعد هو عدم التورط في جرائم تصل إلي أسماع الرأي العام أو تخصه أو تتعلق بطرف خارجي، لا تملك السلطة تجاهه صدا ولا ردا. والثانية هي الامتثال لمعادلة المال مقابل تسهيلات تبدأ من الأوراق الإجرائية اللازمة لإبرام الصفقات، وتنتهي بإخلاء السوق من المنافسين، ومنح التوكيلات الكبيرة لأشخاص بعينهم. أما الثالثة فهي قيام «رجال الأموال» بمد يد العون للنظام الحاكم كلما تعرض لأزمة، بما يمكنه من الاستمرار علي قيد الحياة، لأن في حياته مصلحة لهم، علي أن يدافع النظام عنهم حتي تنفد استطاعته أو يقهره ظرف أكبر من الجميع. والرابعة هي فتح الطريق أمام جامعي الثروات الطائلة ليحتلوا مواقع ومناصب متقدمة بدعوي الاستفادة من خبراتهم الخاصة في تسيير أجهزة الدولة ومصالحها وأموالها. وكزملائه من «رجال الأموال» وعي هشام طلعت مصطفي هذه الدروس في البداية، ففتح ذراعيه للأموال المتدفقة إلي مشروعاته، دون أن ينسي السؤال الذي وجهه إليه رئيس الجمهورية يوما حين قال له: «إذا أصبحت وزيرا هل يمكنك أن تجعل مصر مثل الرحاب»، فلاحت في عينيه المناصب، وراح يسعي فوضع قدمه علي أول الطريق منضما إلي «لجنة السياسات»، البوابة السحرية للصعود السريع الآمن، الذي يأخذك إلي أعلي وأنت مغمض العينين غائب الضمير. وهناك حيث اقترب من الذين يظنون أنهم يمسكون بالخيوط السميكة التي تحرك عرائس الماريونيت تصور أن بوسعه أن يفعل كل ما يريد، من دون حسيب أو رقيب. لقد نسي «السيد هشام» أمرا مهما يشكل القاعدة الخامسة المسكوت عنها، والتي يدور حولها الجميع دون أن يعتقد أي واحد منهم أنها ستطوله يوما ما، ألا وهي أن النظم الفاسدة تري من المفيد لها أن تقدم من آن إلي آخر أكباش فداء إلي الرأي العام لتدعي أنها طاهرة لم يدنسها مدنس، ويكون بوسعها أن تقول ملء فمها: «سنضرب بيد من حديد علي الفساد» وتقول أيضا: «لا أحد فوق القانون». وهذه القاعدة كانت الدوامة التي سقط فيها كثيرون من رجال الأقوال والأعمال، وزراء وأصحاب شركات وموظفون كبار. كما نسي هشام القاعدة الأزلية التي يتوارثها الناس وتقول: «إن جاك البحر طوفان حط ابنك تحت رجليك». لابد أن هشام قد غرته الأماني واطمأن إلي ما يري ويسمع، ولابد أنه تحدث مع المحيطين به طويلا عن النافذة التي هرب منها ممدوح إسماعيل إلي لندن وهاني سرور إلي بيته، وقال لنفسه وهو يستجدي النوم علي وسادته الوثيرة: «النظام لا ينسي رجاله»، ولو أن رأسه المثقلة بإحصاء النفقات القليلة والإيرادات الهائلة قد عنيت يوما بالتدبر بما تجود به الكتب وتعطيه الحياة لمن يبحثون عن الحكمة، لعرف أن كل النظم في العالم تنسي رجالها إن نسوها أو أساءوا إليها، وأن كل من يلتفون أو ينبطحون حول الكرسي الكبير عليهم أن يرتكبوا حماقاتهم في صمت، وبعيداً عن أعين الرقباء أو يتصرفوا بدهاء لا يجعل أي ضجيج يحدثونه يزعج أسيادهم. وقياسا علي واقعة هشام وأمثاله نقول: هذه القواعد تصلح لإدارة العصابات، لكنها لا يمكن أن تصلح لسياسة الدول، وأي نظام يطمح إلي الاستمرار، ويعمل بدأب علي تثبيت أوتاد عميقة حول كرسيه الأكبر، لابد له أن يعيد النظر في تلك القواعد. وعليه أن يسأل نفسه سؤالا جوهريا: هل هؤلاء الذين تحمس لهم وفتح لهم الأبواب علي مصاريعها رجال أعمال أم سماسرة كبار؟ وهل تدفق أموال البلد إلي العقارات علي هيئة «الرحاب» و«مدينتي» وإلي الشيكولاته والشيبسي يصلح لبناء اقتصاد وطني؟ وإلي متي يجمع النظام حوله رجالاً تلهيهم تجارة وبيع عن ذكر الله والشعب، يقدمون الجسد علي الروح، والجنون علي العقل، والغريزة علي الإرادة) – وفي جريدة الأهرام كتب سلامة أحمد سلامة إطلالة بانورامية على أوضاع عدد من مناطق العالم الملتهبة التي عاد الناس من المصايف ليجدوها والعالم عكس ما تركوهما عليه: عاد الملايين في أرجاء المعمورة من اجازات الصيف وشواطيء الاسترخاء ومجتمعات النميمة, ليجدوا انفسهم في عالم مختلف عما كان قبل ذلك.. يتحدث بلغة غير لغة السلام والأمن والتعاون التي كانوا يطلون بها علي النصف المظلم من الكرة الأرضية بحروبه ومجاعاته ومنازعاته التي لاتنتهي.. هذه المنطقة الموبوءة بكل أسباب البؤس والتخلف.. وكأن هذا النصف الغني بثرواته وحضارته وعلمه قد استقال من الكرة الأرضية. وضمن لشعوبه نظاما مستقرا يختلف في قواعده ومعاييره عن تلك التي تحكم عالمنا الثالث. ولكن بضعة أيام وأسابيع كانت كفيلة بتغيير وجه العالم, الذي وجد نفسه منخرطا في أزمة بدأت كمستصغر الشرر في منطقة القوقاز. ولا أحد يعرف إن كانت ستتحول الي حريق كبير بين الشرق والغرب, بين المعسكرين اللذين عرفهما العالم تحت عناوين الحرب الباردة. والتي ظن بعض فلاسفة السياسة أن التاريخ قد وضع نهاية لها, بانتصار النمط الأمريكي الرأسمالي واندحار النظام السوفيتي. وكل ذلك حدث فعلا لفترة قد لاتتجاوز عقدين, ليشهد العالم طورا جديدا من الصراع والمنافسة, لايتخفي بالضرورة وراء أقنعة ايديولوجية ولكنه يعبر عن نفسه بالدفاع عن مجالاته الحيوية وخطوط امداداته ومناطق نفوذه ومصادر طاقته.. فالمخاوف والهواجس بقيت كامنة تحت الرماد, لم تبددها اتفاقيات التعاون النووي والحد من الصواريخ العابرة والانظمة الدفاعية المتبادلة.. فما في القلب في القلب وصراع القوة جزء من طبيعة الانسان. ومايجري في القوقاز الآن هو امتداد لصراع العرقيات والاثنيات التي مزقت البلقان. وجرت تسويته مؤقتا أخيرا بسلخ كوسوفا عن صربيا دون اكتراث بمصالح موسكو. لينتقل التوتر الي جورجيا التي يحكمها نظام ساكاشفيلي عميل امريكا, وهو رجل أحمق متهور حاول انتهاز فرصة انشغال العالم بالألعاب الأوليمبية ليزحف بقواته علي اقليمين انفصاليين: أوسيتيا الجنوبية وابخازيا لضمهما بالقوة.. فتلقي ضربة روسية أدمت أنفه ومن معه من الخبراء العسكريين الأمريكيين والاسرائيليين. والمعروف أن تفكك الاتحاد السوفيتي ترك وراءه عددا من الجيوب والكيانات الصغيرة المنشقة التي لم يحاول الغرب التدخل فيها.. ووقف يتفرج علي الحركة الانفصالية للشيشان وقد استخدمت روسيا في قمعها أسوأ الأساليب وحشية. والمعروف أيضا أن امريكا والأطلنطي لم تتوقف عن مراقبة صعود روسيا بقلق وحذر, فسارعت إلي تنفيذ خططها لنشر الدرع الصاروخية في بولندا والتشيك. لاحاجة الي القول بأن العالم يشهد تحولات في موازين القوة.. لايهم إن كانت حربا باردة جديدة أو قديمة.. ولكنها علامة علي اهتزاز عصر الهيمنة الأمريكية